التعريف به:
هو: الإمام أبو إسماعيل، عبد الله بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن علي الأنصاري الهروي، الحنبلي، الصوفي.
أولاً: الميلاد والنشأة والرحلات العلمية:
وُلد الإمام الهروي في مدينة هراة (أفغانستان حالياً)، وهي إحدى المدن الكبرى في خراسان. كان من نسب عربي أصيل، حيث ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي أيوب الأنصاري، ولذلك لُقّب بـ "الأنصاري".
نشأ الهروي في بيئة علمية تقليدية، وتفرد بالطلب منذ صغره. عُرف عنه رحلاته الواسعة لطلب الحديث، حيث زار نيسابور والري وهمذان وبغداد وأصبهان، وسمع من كبار المحدثين والفقهاء. كان متمسكاً بالمذهب الحنبلي في الفقه، ومنهجه في العقيدة كان سلفياً شديداً، مع تأكيد على الزهد والعبادة.
ثانياً: الجهود العلمية ولقب «شيخ الإسلام»:
تميّز الهروي بكونه محدثاً فذاً وحافظاً متقناً، وهو ما أكسبه ثقة وقبولاً واسعاً، ومكنه من حمل لقب "شيخ الإسلام" في عصره، وهو لقب لا يُمنح إلا لأكابر العلماء الجامعين. كان مجلسه في هراة يغص بالطلاب والعلماء.
من أبرز جهوده التي مثلت قمة في مدرسة أهل الحديث السلفية:
المبالغة في نقد الكلام والفلسفة: ألف كتابه "ذم الكلام وأهله"، حيث كان شديد التحذير من علم الكلام والفلسفة، ودعا إلى التمسك بما ورد عن السلف الصالح.
التفسير بالمأثور: كان له تفسير للقرآن يُعرف بـ "تفسير الهروي" يعتمد فيه على المأثور من السلف.
ثالثاً: مكانته في التصوف ومنهج "منازل السائرين":
على الرغم من تمسكه الشديد بمنهج السلف في العقيدة والفقه، إلا أن الهروي كان صوفياً سالكاً ذا عبادة ورياضة روحية عظيمة. وقد مثّل الهروي نموذجاً نادراً للجمع بين مدرسة الحديث المتمسكة بالظاهر والتصوف المتعمق في الباطن، دون خلط بالفلسفة.
منازل السائرين:
هذا الكتاب هو تحفة الهروي في التصوف، وهو من أهم المراجع في علم السلوك، ويسمى أحياناً "تهذيب المقامات". وفيه:
منهج رصين: لم يعتمد الهروي فيه على المصطلحات المتأثرة بالفلسفة (كالتي ظهرت لاحقاً)، بل اعتمد على الألفاظ الشرعية الصرفة.
تصنيف السلوك: قسّم فيه السير إلى الله على مراحل متتابعة (منازل)، من "بداية" السلوك إلى "نهايته"، مقسماً إياها إلى مائة منزلة، مثل منزلة التوبة، الإنابة، الزهد، والتوكل.
كان هذا الكتاب شديد التأثير، حتى إن الإمام ابن القيم الجوزية (الذي جاء بعده بقرون) شرحه في كتابه الشهير "مدارج السالكين".
رابعاً: الفتنة والوفاة:
عاش الهروي فترات عصيبة في حياته بسبب شدة تمسكه بالعقيدة السلفية ونقده الشديد للمبتدعة وأهل الكلام. وقد تعرض للسجن والإبعاد والتعذيب خمس مرات، وكان يقف شامخاً لا يتنازل عن معتقداته، ويقول: "لا أبيع ديني بمال ولا أُذِلّ وجهي لغير الله".
توفي الإمام الهروي في هراة سنة 481 هـ، وترك وراءه سيرة عطرة وإرثاً ضخماً، خاصة في الحديث وتراجم السلف وعلوم السلوك. ظل تأثيره على المدرسة الصوفية السنية وعلى المدرسة السلفية في الوقت ذاته بالغاً العمق، فقد كان مثالاً للورع والزهد المقترن بالعلم والتمسك بالسنة.
الرئيسة