التعريف به:
هو الإمام أبو القاسم، عبد الكريم بن هوزان بن عبد الملك بن طلحة القشيري، النيسابوري، الشافعي، الصوفي.
الميلاد والنشأة والتحول من الفروسية إلى الفقه:
وُلد الإمام أبو القاسم القشيري في "أستوا" وهي إحدى نواحي نيسابور، وينتمي إلى قبيلة قشير العربية التي استوطنت خراسان. نشأ يتيماً، وكان ميّالاً في شبابه إلى الفروسية وعلوم القتال. لكن حياته أخذت منعطفاً جذرياً عندما بدأ دراسة المحاسبة (الحساب والآداب) ليتولى إدارة أملاك أستاذ له. في تلك الفترة، مال قلبه إلى مجالس العلم والفقه.
في نيسابور، المدينة التي كانت مركزاً للإشعاع العلمي والروحي، التقى بشيخه الأعظم: أبي علي الدقاق، الذي كان من كبار صوفية عصره. كان هذا اللقاء نقطة التحول، حيث أشار عليه الدقاق أن يطلب العلم الشرعي ليتمكن من السلوك الروحي على بينة، فترك القشيري الفروسية والمال وتوجه بكل إرادته لدراسة الفقه والحديث.
تميز القشيري بالجمع بين علوم الظاهر (الفقه والحديث) وعلوم الباطن (التصوف والسلوك)، فكان فقيهاً متكلماً ومحدّثاً قبل أن يكون صوفياً، وهو ما منحه شرعية وقوة في التأثير:
في الفقه والكلام: أخذ الفقه الشافعي عن الإمام أبي بكر بن فورك (أحد كبار متكلمي الأشاعرة)، ودرسه أيضاً على الإمام أبي بكر القفال المروزي، حتى أصبح من أئمة المذهب الشافعي.
في التصوف والسلوك: لزم شيخه أبا علي الدقاق (الذي تزوج ابنته لاحقاً) لزوم المريد الصادق للشيخ المربي، حتى صار وارث سره ومدرسته. ثم تتلمذ على الإمام أبي عبد الرحمن السلمي (صاحب "طبقات الصوفية")، وبذلك أصبح القشيري حاملاً لراية المدرسة الصوفية الخراسانية المعتدلة.
ثالثاً: مكانته التأسيسية وأهم مؤلفاته:
يُعد القشيري من أهم الأئمة الذين عملوا على تقعيد وتأصيل التصوف السني، لدرجة أنه يُعتبر المؤسس الفعلي للمدرسة التي جمعت بين الفقه الشافعي والاعتقاد الأشعري والسلوك الصوفي. جاءت حركته في وقت كان التصوف يتعرض فيه لانتقادات شديدة من أهل الظاهر بسبب بعض الشطحات والآراء.
الرسالة القشيرية:
هو أهم أعماله على الإطلاق. كتبه القشيري سنة 437 هـ، ويهدف إلى: تطهير التصوف: من البدع والأفكار المنحرفة التي نسبت إليه، وربط التصوف بالشريعة: حيث أظهر أن أئمة الصوفية الأوائل كانوا جميعاً من الفقهاء والمحدثين، التوثيق المنهجي: وثّق فيه سِيَر وأقوال المشايخ بطريقة منهجية، مبيناً المقامات (كالصبر والشكر والتوكل) والأحوال (كالقبض والبسط)، فكان هذا الكتاب بمثابة دفاع قوي عن التصوف أمام الفقهاء، وإصلاح داخلي للمنهج الصوفي.
لطائف الإشارات:
هو تفسير كامل للقرآن الكريم، اعتمد فيه على التفسير الإشاري الصوفي. يبرز فيه القشيري قدرته على استنباط المعاني الروحية والأخلاقية العميقة من الآيات، دون إخلال بحدود التفسير الظاهر للقرآن.
رابعاً: الفتنة والوفاة والتأثير:
عاش القشيري فترة اضطرابات سياسية وعقدية، خاصة فتنة الصراع بين الحنابلة والأشاعرة في بغداد ونيسابور، والتي سُجن بسببها لفترة. ولكنه خرج من محنته أكثر عزيمة.
كان له حلقة تدريس ضخمة، وقد تتلمذ على يديه علماء أصبحوا فيما بعد نجوماً ساطعة، أبرزهم الإمام أبو حامد الغزالي، الذي أكمل مسيرة القشيري في دمج الفقه بالتصوف، متأثراً بعمق بمنهج أستاذه القشيري في التقعيد والتوثيق.
توفي الإمام القشيري في نيسابور سنة 465 هـ، ودُفن بالقرب من شيخه أبي علي الدقاق. ترك خلفه تراثاً عظيماً جعل منه مرجعاً أساسياً لكل من أراد فهم التصوف السني المعتدل والمؤصَّل شرعاً.
الرئيسة