بقلم: أحمد محمود النجار.
التعريف به:
هو: الإمام أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى البيهقي، الخراساني، الشافعي، الحافظ.
أولاً: الميلاد والنشأة والتمكن في العلوم:
وُلد الإمام البيهقي في قرية "خُسروجرد" التابعة لنيسابور، في منطقة كانت تُعرف باسم "بيهق" (ومنها نُسبته). نشأ في بيئة علمية خصبة في خراسان، وبدأ طلب العلم في سن مبكرة جداً.
رحل البيهقي في طلب الحديث رحلات واسعة، حيث شملت رحلاته نيسابور، والري، وهمذان، والكوفة، ومكة المكرمة. كان يتميز بقوة الحفظ والجمع، حتى أثنى عليه الحافظ ابن الصلاح بقوله: "أحد من لم يبلغ في حفظ الحديث مبلغهم، ولم يلحق في إتقان علمه لحاقه".
كان فقيهاً على المذهب الشافعي، تتلمذ على الإمام أبي الفتح ناصر المروزي، ثم لازم أبا محمد المروزي، وأخذ عن كبار الفقهاء في عصره. جمع بين التمكن في الحديث والتمكن في الفقه، فكان حافظاً فقيهاً محدثاً أصولياً.
ثانياً: البيهقي والتصوف والسلوك:
على الرغم من أن البيهقي يُعد من كبار أئمة الحديث والفقه، إلا أنه عُرف بزهده وورعه الشديدين، وميله إلى سلوك الصالحين والأولياء، ولهذا يُعد من أعلام الزهد في القرن الخامس الهجري.
كان منهجه يشدد على الجمع بين الظاهر والباطن. فالبيهقي هو الذي قدم المادة الحديثية والفقهية التي تدعم التصوف المعتدل والمؤسس على الشريعة، من خلال أعماله الكبرى.
من أهم ما يبرز هذا الجانب:
كتاب "شعب الإيمان": هو موسوعة ضخمة تتحدث عن خصائص الإيمان الباطنية والظاهرية، وتفصيل الأعمال القلبية والجوارحية. يُعد هذا الكتاب مرجعاً أساسياً في الأخلاق والسلوك الصوفي المعتدل.
الورع والزهد: كان البيهقي شديد الورع، يُقال إنه لم يكن يأكل من رزق أصحاب السلطة، وعاش حياة متقشفة مكرساً نفسه للعلم والعبادة، ورفض تولي المناصب الدنيوية.
كان يرى أن التصوف الحقيقي لا ينفصل عن التمسك بالحديث والسنة، وهو ما جعله نموذجاً للمحدّث الزاهد.
ثالثاً: أهم مؤلفاته ونصرة المذهب:
ترك الإمام البيهقي أكثر من ألف جزء في الحديث والفقه، أشهرها:
السنن الكبرى: يُعد من أضخم وأهم كتب السنن، حيث جمع فيه الأحاديث بأسانيدها، واستنبط منها الأحكام الفقهية، مبيناً الخلافات ومناصراً لمذهب الشافعي. وهو مرجع لا يُستغنى عنه لأهل الحديث والفقه.
المعرفة: كتاب في الاستدلال على مسائل الشافعية.
الاعتقاد والهداية إلى سبيل الرشاد: كتاب مهم في العقيدة الأشعرية، حيث كان البيهقي من كبار المدافعين عن العقيدة السنية الأشعرية.
رابعاً: الوفاة والأثر:
قضى البيهقي معظم حياته في قريته "خُسروجرد" مكرساً نفسه للتأليف والتدريس. لكنه في أواخر حياته، دُعي إلى نيسابور ليدرّس الحديث فيها.
توفي الإمام البيهقي في نيسابور سنة 458 هـ، ونُقل جثمانه إلى مسقط رأسه في خُسروجرد. وقد أجمع العلماء على مكانته العالية في الحفظ والإتقان والزهد، وظلت مصنفاته مرجعاً أساسياً للأمة في الفقه الشافعي وعلم الحديث، وهي تشهد على الجمع الموفق بين التمكن في علوم الظاهر والتعمق في السلوك الباطني.
الرئيسة