التعريف به:
هو صاحب سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ومن السابقين الأولين قال عنه أبو نعيم: «ومنهم: العابد الزهيد القانت الوحيد رابع الإسلام، ورافض الأزلام، قبل نزول الشرع والأحكام تعبد قبل الدعوة بالشهور والأعوام، وأول من حَيَّا الرسول بتحية الإسلام، لم يكن تأخذه في الحق لائمة اللوام، ولا تفزعه سطوة الولاة والحكام، أول من تكلم في علم البقاء، وثبت على المشقة والعناء، وحفظ العهود والوصايا، وصبر على المحن والرزايا، واعتزل مخالطة البرايا إلى أن حل بساحة المنايا، أبو ذر الغفاري ولعنه ، خدم الرسول- صلى الله عليه وسلم، وتعلم الأصول، ونبذ الفضول. قيل : إن التصوف التأله والتدله عن غلبات التوله أي: الاستغراق في العبودية، والغياب بها عما سواها، فالتاله : التنسك والتَّعَبد والتَّدَلَّه: ذهاب العقل من الهوى، ويقال: دله الحب أي حَيَّره وأَدْهَشَه ، والوَلَه الحزن، وقيل: هو ذهاب العقل والتحير من شدة الوجد، وقيل: ذهاب العقل لفقدان الحبيب».
أخلاقه وأيامه في الإسلام:
روي عنه أنه قال: «يا ابن أخي قد صليت قبل أن ألقى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- ثلاث سنين. قلت: لمن؟ قال: لله عز وجل.
وروي عن مالك بن مرثد عن أبيه عن أبي ذر قال: كنت رابع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة وأنا الرابع.
وروي عن أبي ليلى الأشعري أنه قال: «حدثني أبو ذر، قال: إن أول ما دعاني إلى الإسلام أنَّا أصابتنا السَّنَة، فحملت أمي أخي أنيسًا إلى أصهار لنا بأعلا تجد، فلما حللنا أكرمونا، فمشى رجل من الحي إلى خالي؟ فقال: إن أنيسا يخالفك إلى أهلك، فحز في قلبه، فانصرفت من رعية إبلي، فوجدته كئيبا يبكي فقلت: ما بكاؤك يا خال؟ فأعلمني الخبر، فقلت: حجز الله من ذلك إنا نعاف الفاحشة، وإن كان الزمان قد أخل بنا، فاحتملت بأخي وأمي حتى أتينا بحضرة مكة، فأتيت مكة وقد أن بها صابئا أو مجنونا أو ساحرًا. فقلت: أين هذا الذي تزعمونه؟ قالوا: ها هو ذاك حيث ترى فانقلبت إليه، فو الله ما تجزت عنهم قيد تحجر حتى أكبوا عَليَّ بكل عظم وحجر ومدر فضرجوني بدمي فأتيت البيت فدخلت بين الستور والبناء، وسومت فيه ثلاثين يوما لا آكل ولا أشرب إلا من ماء زمزم، قال: فلما أتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- أخذ بيدي أبو بكر له فقال: يا أبا ذر. فقلت: لبيك يا أبا بكرا ثانية فقال: هل كنت تأله في جاهليتك قال: قلت: نعم. لقد رأيتني أقوم عند الشمس فلا أزال مصليا حتى يؤذيني حرها فأخر كأني خفاء. فقال لي: فأين كنت توجه؟ فقلت: لا أدري. إلا حيث يوجهني الله عز وجل، حتى أدخل الله عَلَىَّ الإسلام.
وروي عن ابن عباس عن أبي ذر وكأنه قال: أقمت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بمكة، فعلمني الإسلام، وقرأت من القرآن شيئًا، فقلت: يا رسول الله إني أريد أن أظهر ديني فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكَ أَنْ تُقْتَلَ» قلت: لا بد منه وإن قتلت قال: فسكت عني فجئت وقريش حلقا يتحدثون في المسجد، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فانتفضت الخلق فقاموا فضربوني حتى تركوني كأني نصب أحمر، وكانوا يرون أنهم قد قتلوني فأفقت فجئت إلى رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فرأى ما بي من الحال فقال لي: «أَلَمْ أَنهَكَ؟». فقلت: يا رسول الله. كانت حاجة في نفسي فقضيتها، فأقمت مع رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: «الحق بِقَوْمِكِ، فَإِذَا بَلَغَكَ ظُهُورِي فَاتِنِي».
وروي عن أبي جمرة أن ابن عباس أخبرهم عن بدو إسلام أبي ذر قال: دخل أبو ذر على رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فقال: یا رسول الله مرني بما شئت فقال: «ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ خَبَرِي» فقلت: والله ما كنت لأرجع حتى أصرخ بالإسلام، فخرج إلى المسجد فصاح بأعلا صوته؛ فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله فقال المشركون صبأ الرجل، صبأ الرجل، فقاموا إليه فضربوه حتى سقط، فمر به العباس فقال: يا معشر قريش أنتم تجار، وطريقكم على غفار، أتريدون أن يقطع الطريق، فأكب عليه العباس فتفرقوا، فلما كان الغد عاد إلى مثل قوله فقاموا إليه فضربوه فمر به العباس فقال لهم مثل ما قال، ثم أكب عليه.
وروي عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: انتهيت إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- حين قضى صلاته؛ فقلت: السلام عليك، فقال: وَعَلَيْكَ السَّلَامُ»، فكنت أول من حياه بتحية الإسلام.
وروي عن عبد الله بن الصامت بن أخي أبي ذر قال: دخلت مع عمي على عثمان؛ فقال لعثمان: ائذن لي في الربذة فقال: نعم ونأمر لك بنعم من نعم الصدقة تغدو عليك وتروح قال: لا حاجة لي في ذلك، تكفي أبا ذر صرمته وأن أنظر إلى من هو تحتي ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله ثم قام فقال : اعزموا دنياكم ودعونا وربنا وديننا وكانوا يقتسمون مال عبد الرحمن بن عوف، وكان عنده كعب؛ فقال عثمان الكعب: ما تقول فيمن جمع هذا المال فكان يتصدق منه ويعطي في السبل ويفعل ويفعل؟ قال: إني لأرجو له خيرًا فغضب أبو ذر ورفع العصا على كعب وقال وما يدريك يا ابن اليهودية، ليودن صاحب هذا المال يوم القيامة لو كانت عقارب تلسع السويداء من قلبه.
وروي عن أبي بكر بن المنكدر، قال: بعث حبيب بن مسلمة وهو أمير الشام إلى أبي ذر بثلاثمائة دينار، وقال: استعن بها على حاجتك؛ فقال أبو ذر : ارجع بها إليه، أما وجد أحدًا أغر بالله منا، مالنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة لنا تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل.