التعريف به:
هو صاحب سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم O قال عنه أبو نعيم: «ومنهم: سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي، زهد في الدنيا الفتانة السحارة، ونظر إلى طلابها بعين الحقارة، وسلك منهج السابقين بالحث والنذارة، ورغب عن الدنيا تقلد الولايات وقيامه فيها برعايته العهود والأمانات. وقد قيل: إن التصوف مصابرة المنون دون تحقيق الظنون».
أخلاقه وأيامه في الإسلام:
روي عن حسان بن عطية قال: «لما عزل عمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه - معاوية عن الشام بعث سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي قال فخرج معه بجارية من قريش نضيرة الوجه، فما لبث إلا يسيرًا حتى أصابته حاجة شديدة، قال: فبلغ ذلك عمر فبعث إليه بألف دينار، قال: فدخل بها على امرأته؛ فقال: إن عمر بعث إلينا بما، ترين فقالت لو أنك اشتريت لنا أدما وطعامًا، وادخرت سائرها؛ فقال لها : أولا أدلك على أفضل من ذلك؟ نعطي هذا المال من يتجر لنا فيه، فنأكل من ربحها، وضمانها عليه قالت فنعم، إذا فاشتري أدما وطعامًا، واشتري بعيرين وغلامين يمتاران عليهما حوائجهم ، وفرقها في المساكين وأهل الحاجة، قال: فما لبث إلا يسيرًا حتى قالت له امرأته إنه نفذ كذا وكذا، فلو أتيت ذلك الرجل، فأخذت لنا من الربح، فاشتريت لنا مكانه، قال: فسكت عنها قال: ثم عاودته قال فسكت عنها، حتى آذته، ولم يكن يدخل بيته إلا من ليل إلى ليل قال: وكان رجل من أهل بيته ممن يدخل بدخوله؛ فقال لها: ما تصنعين؟ إنك قد آذيتيه، وإنه قد تصدق بذلك المال، قال: فبكت أسفًا على ذلك المال، ثم أنه دخل عليها يوما، فقال: على رسلك إنه كان لي أصحاب فارقوني منذ قريب ما أحب أني صددت عنهم، وأن لي الدنيا وما فيها، ولو أن خيرة من خيرات الحسان اطلعت من السماء لأضاءت لأهل الأرض، ولقهر ضوء وجهها الشمس والقمر، ولنصيف تكسي خير من الدنيا وما فيها، فلأنت أحرى في نفسي أن أدعك لهن من أن أدعهن لك، قال: فسمحت ورضيت.
وروي عن خالد بن معدان قال: استعمل علينا عمر بن الخطاب بحمص سعيد بن عامر بن جذيم الجمحي، فلما قدم عمر بن الخطاب حمص قال: يا أهل حمص كيف وجدتم عاملكم؟ فشكوه إليه وكان يقال لأهل حمص: الكويفة الصغرى؛ لشكايتهم العمال - قالوا: نشكوا أربعًا لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: أعظم بها، قال: وماذا قالوا ؟ لا يجيب أحدًا بليل، قال: وعظيمة، قال: وماذا قالوا؟ وله يوم في الشهر لا يخرج فيه إلينا، قال: عظيمة، قال: وماذا قالوا ؟ يغنظ الغنظة بين الأيام -يعني: تأخذه موتة- قال: فجمع عمر بينهم وبينه وقال: اللهم لا تفيل) رأيي فيه اليوم ما تشكون منه، قالوا: لا يخرج إلينا حتى يتعالى النهار، قال: والله إن كنت لأكره ذكره ليس لأهلي خادم فأعجن عجيني، ثم أجلس حتى يختمر ، ثم أخبز خبزي ، ثم أتوضأ، ثم أخرج إليهم؛ فقال: ما تشكون منه؟ قالوا: لا يجيب أحدًا ،بليل، قال: ما تقول إن كنت لأكره ذكره؟ إني جعلت النهار لهم، وجعلت الليل الله عز وجل، قال: وما تشكون؟ قالوا: إن له يوما في الشهر لا يخرج إلينا فيه، قال: ما تقول؟ قال: ليس لي خادم يغسل ثيابي، ولا لي ثياب أبدلها، فأجلس حتى تجف، ثم أدلكها، ثم أخرج إليهم من آخر النهار، قال: ما تشكون منه؟ قالوا: يغنظ الغنطة بين الأيام، قال: ما تقول؟ قال: شهدت مصرع خبيب الأنصاري بمكة، وقد بضعت قريش لحمه،
رأيه يفيل فيلولة: أخطأ وضَعُف، ويقال: ما كنت أحب أن يرى في رأيك فيالة، ورجل فيل الرأي، أي: ضعيف، ثم حملوه على جذعة فقالوا: أتحب أن محمدًا مكانك؟ فقال: والله ما أحب أني في أهلي وولدي ، وأن محمدا و بشوكة ، ثم نادى يا محمد، فما ذكرت ذلك اليوم، وتركي نصرته في تلك الحال وأنا مشرك لا أو من بالله العظيم إلا ظننت أن الله عز وجل لا يغفر لي بذلك الذنب أبدا، قال: فتصيبني تلك الغنظة؛ فقال عمر: الحمد لله الذي لم يفيل فراستي، فبعث إليه بألف دينار، وقال: استعن بها على أمرك، فقالت امرأته : الحمد لله الذي أغنانا عن خدمتك؛ فقال لها: فهل لك في خير من ذلك، ندفعها إلى من يأتينا بها أحوج ما نكون إليها؟ قالت: نعم، فدعا رجلًا من أهل بيته يثق به، فصررها صررًا، ثم قال: انطلق بهذه إلى أرملة آل فلان، وإلى يتيم آل فلان، وإلى مسكين آل فلان، وإلى مبتلى آل فلان، فبقيت منها ذهيبة؛ فقال: أنفقي هذه، ثم عاد إلى عمله، فقالت: ألا تشتري لنا خادمًا ما فعل ذلك المال؟ قال: سيأتيك أحوج ما تكونين.
وروي عن عبد الرحمن بن سابط الجمحي، قال: دعا عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - رجلًا من بني جمع - يقال له: سعيد بن عامر بن جذيم- فقال له: إني مستعملك على أرض كذا وكذا؛ فقال: لا تفتني يا أمير المؤمنين، قال: والله لا أدعك قلدتموها في عنق وتتركونني، فقال عمر: ألا نفرض لك رزقا؟ قال: قد جعل الله في عطائي ما يكفيني دونه أو فضلا على ما أريد، قال: وكان إذا خرج عطاؤه
ابتاع لأهله قوتهم، وتصدق ببقيته؛ فتقول له امرأته أين فضل عطائك؟ فيقول: قد أقرضته، فأتاه ناس، فقالوا: إن لأهلك عليك حقا، وإن لأصهارك عليك حقا؛ فقال: ما أنا بمستأثر عليهم، ولا بملتمس رضى أحد من الناس لطلب الحور العين، لو اطلعت خيرة من خيرات الجنة لأشرقت لها الأرض كما تشرق الشمس، وما أنا بالمتخلف عن العنق الأول بعد أن سمعت رسول الله ﷺ يقول: «يَجْمَعُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ النَّاسَ لِلْحِسَابِ، فَيَجِيءُ فُقَرَاءُ الْمُؤْمِنِيْنَ يُزَفُوْنَ كَمَا تُزَفُّ الحَمامُ؛ فَيُقَالُ هُم قِفُوْا عِند الحِسَابِ، فَيَقُولُونَ مَا عِنْدَنَا حِسَابٌ، وَلَا آتَيْتُمُوْنَا شَيْئًا فَيَقُول رَبُّهُم صَدَقَ عِبَادِي، فَيَفْتَحَ هُم بَابَ الْجَنَّةِ، فَيَدْخُلُونَهَا قَبْلَ النَّاسِ بِسَبْعِينَ عَامًا».