التعريف به:
هو صاحب سيدنا رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وكان يعده أخاه وقال فيه أبو نعيم: «ومنهم المتقشف المحزون، الممتحن في عينه المطعون ذو الهجرتين عثمان بن مظعون كان إلى الاستجابة الله سابقا، وبمعالي الأحوال لاحقا، وفي العبادة ناسكا، وفي المحاربة فاتكا، لم تنقصه الدنيا، ولم تحطه عن العليا، تعجل إلى المحبوب، فتسلّى عن المكروب». وقد قيل: إن التصوف تشوف الصادي الراغب عن الكدر إلى صفاء الود من غير صدر».
أحواله وأيامه في الإسلام وجملة من أخلاقه:
وروي عنه: «لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله ﷺ من البلاء وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من الأذى والبلاء ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي، فمشى إلى الوليد بن المغيرة؛ فقال له: يا أبا عبد شمس وفت ذمتك، وقد رددت إليك جوارك قال : لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي قال: لا ولكني أرضى بجوار الله عز وجل، ولا أريد أن أستجير بغيره قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد على جواري علانية، كما أجرتك علانية قال: فانطلقا ثم خرجا حتى أتيا المسجد؛ فقال لهم الوليد هذا عثمان قد جاء يرد على جواري قال لهم: قد صدق، قد وجدته، وفيًا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان ولبيد بن ربيعة بن مالك بن كلاب القيسي في المجلس من قريش ينشدهم، فجلس معهم عثمان فقال لبيد وهو ينشدهم:
فقال:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ
فقال عثمان: صدقت.
وَكُلُّ نَعِيمٍ لَا تَحالَةَ زَائِلُ
فقال عثمان: كذبت. نعيم أهل الجنة لا يزول قال لبيد بن ربيعة يا معشر قريش. والله ما كان يؤذى جليسكم، فمتى حدث فيكم هذا؟ فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله فرد عليه عثمان حتى سرى - أي: عظم أمرهما - فقام إليه ذلك الرجل، فلطم عينه فخضرها والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان؛ فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك
عما أصابها الغنية ؛ فقد كنت في ذمة منيعة.
فقال عثمان : بلى والله. إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار
من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس فقال عثمان بن مظعون فيما أصيب من عينه:
فَإِنْ تَكُ عَيْنِي فِي رِضَا الرَّبِ نَالَهَا يَدَا مُلْحِدٍ فِي الدِّيْنِ لَيْسَ بِمُهْتَدِ
فَقَدْ عَوَّضَ الرَّحْمَنُ مِنْهَا ثَوَابَهُ وَمَنْ يُرْضِهِ الرَّحْمَنُ يَا قَوْمُ يَسْعَد
فَإِنِّي وَإِنْ قُلْتُمْ غَوِيٌّ مُضَلَّلٌ سَفِيهُ عَلَى دِينِ الرَّسُوْلِ مُحَمَّد
أُرِيْدُ بِذَاكَ اللَّهَ وَالْحَقُّ دِيْنُنَا عَلَى رَغْم مَنْ يَبْغِي عَلَيْنَا وَيَعْتَدِي
وقال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه وكرم الله وجهه- علي فيما أصيب من عين عثمان بن مظعون:
أَمِن تَذَكَّرِ دَهْرِ غَيْرِ مَأْمُونِ أَصْبَحَتَ مُكْتَنَا تَكِي كَمَحْرُونِ
أَمِن تَذَكَّرِ أَقْوَامٍ ذَوِي سَفَهِ يَغْشُونَ بِالظُّلْمَ مَن يَدْعُو إِلَى الدِّينِ
لَا يَنتَهُونَ عَنِ الْفَحْشَاءِ مَا سَلِمُوا وَالْغَدرُ فِيْهِم سَبِيْلٌ غَيْرُ مَأْمُونِ
الَا تَرُونَ أَقَلَّ اللَّهُ خَيْرَهُمُ أَنَّا غَضِبَنَا لِعُثْمَانَ بنِ مَطْعُونِ
إذْ يَعْطِمُونَ وَلَا يَخْشَونَ مُقْلَتَهُ طَعْنَا دِرَاكًا وَضَرْبًا غَيْرَ مَأْفُونِ
فَسَوْفَ يَجْزِيهِمْ إِنْ لَمْ يَمُتْ عَجِلًا كَيْلًا بِكَيْلِ جَزَاءً غَيْرَ مَغْبُونِ
وروي عن خارجة بن زيد عن أم العلاء قالت: توفي عثمان بن مظعون في دارنا، فلما نمت رأيت عيناً تجري لعثمان بن مظعون، فذكرت ذلك للنبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: «ذَاكَ عَمَلُهُ».
وروي عن ابن شهاب الزهري، قال: كانت الحبشة متجرًا لقريش يجدون فيها رفقا من الرزق وأمانًا ، فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بها أصحابه، فانطلق إليها عامتهم حين قهروا، وتخوفوا الفتنة فخرجوا، وأميرهم عثمان بن مظعون فمكث هو وأصحابه بأرض الحبشة حتى أنزلت سورة والنجم ، وكان عثمان بن مظعون وأصحابه ممن رجع فلا يستطيعوا أن يدخلوا مكة حين بلغهم شدة المشركين على المسلمين إلا بجوار، فأجار الوليد بن المغيرة عثمان بن مظعون.
وروي عن ابن عباس قال: «لما توفي عثمان بن مظعون قالت امرأته: رسول الله . فارسك وصاحبك، وكان يعد من خيارهم، فلما توفيت رقية بنت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم: «أَلْقِي بِسَلَفِنَا الخَيْرَ عُثْمَانَ بنَ مَطْعُونِ».
وروي عن ابن عباس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- دخل على عثمان بن مظعون حين مات فانكب عليه، فرفع رأسه ثم حتى الثانية، ثم رفع رأسه ثم حتى الثالثة، ثم رفع رأسه وله شهيق، فعرفوا أنه يبكي، فبكى القوم؛ فقال: «أسْتَغْفُرُ اللهَ أَسْتَغْفُرُ اللَّهَ اذْهَبْ عَنْهَا أَبَا السَّائِبِ، فَقَدْ خَرَجَتَ مِنْهَا وَلَمْ تَلْبِسُ مِنْهَا بِشَيءٍ».
وروي عن ابن شهاب «أن عثمان بن مظعون دخل يوما المسجد وعليه نمرة قد تخللت فرقعها بقطعة من فروة، فرق رسول الله- صلى الله عليه وسلم- عليه ورق أصحابه لرقته؛ فقال: «كَيْفَ أَنْتُم يَوْمَ
يَعْدُو أَحَدُكُم فِي حِلَّةٍ وَيَرُوحُ فِي أُخْرَى، وَتُوْضَعُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَصْعَةٌ وَتُرْفَعُ أُخْرَى، وَسَتَرْتُمُ البُيُوتَ كَما تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟» قالوا: وددنا أن ذلك قد كان يا رسول الله، فأصبنا الرخاء والعيش قال: «فَإِنَّ ذَلِكَ لَكَائِنٌ، وَأَنْتُم اليَوْمِ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكَ».
وروي عن زيد بن أسلم قال: «هلك عثمان بن مظعون فأمر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- بجهازه، فلما وضع في قبره قالت امرأته: هنيئا لك أبا السائب الجنة فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟» قالت: كان يا رسول الله يصوم النهار ويصلي الليل قال: «بِحَسْبِكَ لَوْ قُلْتَ كَانَ يُحِبُّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ».