الاسم والمولد والنشأة:
هو الإمام عفيف الدين سليمان بن علي بن عبد الله بن علي القرشي الهاشمي التلمساني، المعروف بـ "العفيف التلمساني". وُلد في مدينة تلمسان بالمغرب الأوسط (الجزائر حالياً) في مطلع القرن السابع الهجري (تحديداً عام 601 هـ / 1204 م). نشأ في تلمسان التي كانت مركزاً علمياً وثقافياً مزدهراً. تلقى علوم الشريعة واللغة العربية، ومال في وقت مبكر إلى التصوف النظري.
تكوينه الفكري وعلاقته بابن عربي:
يُعدّ العفيف التلمساني من أبرز العلماء الصوفيين الذين تتلمذوا على يد المدرسة الأكبرية (مدرسة محيي الدين ابن عربي). على الرغم من أنه لم يلتقِ بابن عربي (توفي 638 هـ) مباشرة، إلا أنه كان من أخصّ تلاميذ الشيخ صدر الدين القونوي (توفي 672 هـ، وتناولناه سابقاً)، الذي كان زوج ابنة ابن عربي وشارحه الأول. هذه العلاقة جعلت التلمساني وارثاً مباشراً لأفكار ابن عربي ومنهجه في التصوف الفلسفي.
منهجه في التصوف والكتابة:
تميز منهج التلمساني بـ التحقيق الفلسفي الصوفي لأفكار الوحدة والوجود، وكان يعتمد على اللغة الرمزية والعمق الفكري في كتاباته. كان يرى أن الطريق إلى الله يتم بالجمع بين الذوق الروحي و البرهان العقلي.
اشتهر العفيف التلمساني بكونه:
شارحاً لأعمال ابن الفارض: كان له شغف كبير بشعر ابن الفارض (الذي تناولناه سابقاً)، وكتب شرحاً عميقاً وكثيفاً لـ "القصيدة التائية الكبرى" (نظم السلوك)، حيث فسر رموزه الغزلية بأسرار العشق الإلهي وحقائق وحدة الوجود. هذا الشرح يُعدّ من أهم الشروح الفلسفية للديوان.
مدافعاً عن وحدة الوجود:
كان من المدافعين عن أفكار ابن عربي، وساهم في نشرها في بلاد المغرب والمشرق.
حياته ومكانته:
عاش التلمساني فترة في دمشق والقاهرة، حيث استقر به المقام في نهاية حياته. كان له تأثير كبير على العلماء في بلاد الشام ومصر، وحضر مجالسه العديد من الفقهاء والمتصوفة. كانت له آراء جريئة أحياناً في الفلسفة والوجود، مما أثار حوله بعض الجدل، ولكنه ظل يحظى باحترام كبير لعمقه العلمي وقوة شخصيته.
وفاته وتأثيره:
توفي العفيف التلمساني في دمشق عام 690 هـ (الموافق 1291 م). ترك بصمة عميقة في مدرسة التصوف النظري، خاصة عبر شروحه التي ساعدت على فهم الأعمال الأكثر غموضاً في التصوف، مثل شعر ابن الفارض وفلسفة ابن عربي. يُعدّ شخصية مفصلية في نهاية القرن السابع الهجري في نشر هذا اللون من التصوف في العالم الإسلامي.