التعريف به:
هو: الإمام أبو الفرج، عبد الرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي، الحنبلي، البغدادي، الواعظ.
أولاً: النشأة والتحصيل العلمي والموسوعية:
وُلد الإمام ابن الجوزي في بغداد، لأسرة عُرفت بـ "ابن الجوزي" نسبة إلى حوزة (نواة) جوز كانت في بيته. نشأ يتيماً، وتلقى تعليماً حنبلياً صارماً على كبار شيوخ الحنابلة، منهم ابن الزاغوني.
تميز ابن الجوزي بـ موسوعيته الفائقة، حيث برع في علوم الحديث والتاريخ والفقه (على مذهب الإمام أحمد) والتفسير واللغة، وكان غزير الإنتاج لدرجة مذهلة، إذ قيل إن مؤلفاته تجاوزت الثلاثمائة مصنف.
لم يكن ابن الجوزي مجرد فقيه، بل كان الواعظ الأكبر في عصره. كان يجتمع في مجالسه في بغداد عشرات الآلاف من الناس، وقد أسهم في بث الوعي الديني والأخلاقي والتربوي في المجتمع البغدادي.
ثانياً: الزهد والورع ومنهج الوعظ:
يُدرج ابن الجوزي ضمن أعلام الزهد في القرن السادس لسببين رئيسيين: منهجه الشخصي، وإسهامه التأليفي في هذا الباب.
الزهد في الوعظ: كان وعظه قوياً ومؤثراً، يدعو إلى التوبة الصادقة، والزهد الحقيقي في الدنيا، والفرار من المعاصي. كان يجمع بين ترقيق القلوب والتقريع الشديد للنفس، وهو ما أدى إلى توبة الكثير من الناس على يديه.
الورع والتقشف: عُرف عنه الورع الشديد في المأكل والملبس، وكان يعيش حياة متقشفة على الرغم من إقبال الدنيا والجاه عليه بفضل مركزه كواعظ للدولة العباسية.
النقد الصارم للفرق: كان ابن الجوزي ناقداً شديداً لغلاة الصوفية، ولبعض ما دخل على التصوف من بدع ومخالفات في عصره. وكان موقفه يقوم على ضرورة التزام السلوك الصوفي بضوابط الشريعة والمنهج السلفي.
ثالثاً: مساهماته الخالدة في السلوك والأخلاق:
أهم إسهاماته التي تبرز مكانته في الزهد:
"صيد الخاطر": كتاب فريد من نوعه، جمع فيه ابن الجوزي خواطره وتأملاته في شؤون الحياة والدين والسلوك. يمثل هذا الكتاب مذكرات روحية عميقة، تدعو إلى محاسبة النفس، وإدارة الوقت، والتوكل، والزهد. وهو يعد مرجعاً في تربية النفس.
"صفة الصفوة": هو اختصار لكتاب "حلية الأولياء" لأبي نعيم الأصفهاني. خصص ابن الجوزي هذا الكتاب لـ تراجم كبار الزهاد والأولياء، مُركّزاً على ورعهم وسلوكهم وعباداتهم، مما جعله مرجعاً في تاريخ الزهد الإسلامي.
"تذكرة أولي البصائر في معرفة الكبائر": كتاب وعظي يشدد على التحذير من المعاصي والكبائر، ويدعو إلى تزكية النفس وتطهيرها.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الإمام ابن الجوزي في بغداد سنة 597 هـ. كان لجنازته مشهد عظيم، وحزن عليه أهل بغداد حزناً شديداً.
يمثل ابن الجوزي نموذجاً للعالم الفقيه والمحدث الذي يلتزم منهج الزهد والورع، ويوظف علمه الواسع في إصلاح المجتمع، وإحياء الوازع الديني في نفوس الناس من خلال الوعظ والتذكير بالموت والآخرة، وكان كتابه "صيد الخاطر" هو خلاصة فكره الروحي والزهدي.