التعريف به:
الشيخ أبو مدين، شعيب بن الحسين الأنصاري التلمساني، الإشبيلي، الصوفي المالكي.
أولاً: النشأة والرحلة إلى المشرق:
وُلد الشيخ أبو مدين في إشبيلية بالأندلس، لأسرة فقيرة، وعاش طفولته وشبابه الأول في رعي الغنم. في سن مبكرة، شعر بميل قوي نحو الزهد والسلوك، فترك الأندلس ورحل إلى المغرب الأقصى.
استقر في مدينة تلمسان لفترة، ثم انتقل إلى فاس، التي كانت مركزاً علمياً. في فاس، لزم كبار الفقهاء والمحدثين، وحصل على علوم الظاهر (الفقه المالكي والحديث). لكن شغفه الحقيقي كان بالتصوف.
رحل أبو مدين إلى المشرق، حيث التقى بالعديد من شيوخ الصوفية الكبار في بغداد والحجاز والشام، وتأثر تأثراً بالغاً بالمنهج المشرقي المؤصل للغزالي والقشيري.
ثانياً: الإمامة في التصوف والمنهج التربوي:
عاد أبو مدين إلى المغرب، واستقر في مدينة بجاية (الجزائر حالياً)، وهناك أسس مدرسته الصوفية التي أصبحت أهم مركز روحي في الغرب الإسلامي. لُقِّب بـ "شيخ المشايخ" و "شيخ المغرب" لانتشار صيته وتأثيره العميق.
كان منهجه التربوي يقوم على أسس ثلاثة:
الجمع بين الظاهر والباطن: شدد على ضرورة التمسك بالشريعة الظاهرة، وأن السلوك الصوفي لا ينفصل عن الفقه.
التوكل والاحتراف: دعا مريديه إلى الزهد المطلق، والتوكل على الله في الرزق، لكنه لم يمنع الكسب الحلال، بل كان يقول: "لابد من إقامة سوق التوكل في خانات الكسب".
العلم قبل السلوك: كان يوجه تلاميذه إلى طلب العلم الشرعي قبل الانخراط في الرياضات الصوفية، ومقولته الشهيرة: "ما دخلتُ على شيخ، حتى قرأتُ ثلاثين ألف حديث بالبصر".
أخرجت مدرسته جيلاً كاملاً من الصوفية والعلماء الزهاد الذين نشروا منهجه في المغرب، مثل عبد السلام بن مشيش (شيخ أبي الحسن الشاذلي لاحقاً.
ثالثاً: الزهد والورع والفتنة:
اشتهر أبو مدين بـ الورع الشديد في حياته، وتقشفه في الملبس والمأكل، حتى أصبح مضرب المثل في العبادة والزهد. ومع ذلك، لم يسلم من الفتنة.
الفتنة: تزايد نفوذ أبي مدين وانتشار مريديه في مختلف أنحاء المغرب، مما أثار قلق الخلفاء الموحدين في مراكش استدعاه الخليفة الموحدي المنصور من بجاية إلى مراكش، خوفاً من تأثيره السياسي والديني على العامة.
الوفاة في الطريق: بينما كان أبو مدين في طريقه مجبراً إلى مراكش، توفي في قرية تلمسان سنة 594 هـ.
قيل إن المنصور عندما سمع بوفاته قال: "لقد هممتُ بقتل وليّ، ولكن الله كفاني". وظل ضريحه في تلمسان (سيدي بومدين) من أهم المزارات الصوفية في شمال إفريقيا.
رابعاً: الأثر الدائم:
يُعد أبو مدين الأب الروحي الفعلي لمدرسة التصوف في الغرب الإسلامي. قصائده وحِكَمه هي أساس الأدب الصوفي في المنطقة، ومنهجه المعتدل هو الذي نقل إلى الأجيال التالية، مثل الإمام أبي الحسن الشاذلي (مؤسس الشاذلية)، الذي تأثر بعمق بطريقته.