التعريف به:
هو أحد سادات الصالحين الكرام قال عنه أبو نعيم: «ومنهم: العارف بالأصول العازف عن الفضول له القلب الخاشع، والأذن السامع، أحكم علم الآثار وأتقنها، وألف في المعاملات والأحوال وأوضحها، أبو جعفر محمد بن يعقوب بن الفرجي، صحب الحارث بن أسد المحاسبي وطبقته له مصنفات في معاني الصوفية: كتاب الورع، وكتاب صفات المريدين، كان من الأئمة في علوم النساك، يرفع من الفقراء وينصرهم، ويضع من المدعين ويزري عليهم».
مناقبه ومروياته:
كتب إلى جعفر بن محمد بن نصير فيما أذن لي قال: سمعت المرتعش يقول: قال أبو جعفر بن الفرجي: مكثت عشرين سنة لا أسأل عن مسألة إلا ومنازلتي فيها قبل قولي، وقال: إذا صح الود سقطت شروط الأدب، وحكى عبد المنعم بن عمر عن أبي سعيد بن الأعرابي: أنه قيل لأبي جعفر بن الفرجي: إنك تنكر الزعقة والصيحة؛ فقال: إنما أنكرها على الكذابين، وقال: ما زعقت من عمري إلا ثلاث ،زعقات فإني انتهيت ببغداد يومًا إلى الجسر، وأخرج رجل من الشطاحين من السجن يضرب، ثم رد إلى السجن والناس يتعجبون من صبره على الجلد فجئت إليه فقلت: مسألة؛ فقال: أوسعوا له ما مسألتك؟ قلت: أسهل ما يكون الضرب عليكم أي وقت؟
قال: إذا كان من ضربنا له يرانا :قال فصحت ولم أملك السكوت، قال أبو سعيد بن الأعرابي : أخبرني عمي يحيى بن أحمد قال: أخبرني بن المرزبان الصيقل، قال: أردت الخروج إلى مكة، فرافق الجمال بيني وبين إنسان لا أعرفه؛ فقلت له بعد أن رافقني: نحتاج من الزاد كذا وكذا، ومن الزيت كذا وكذا؛ فقال قد اشتريت جميع ذلك، فلا تشتر شيئًا، وظننت أنه يحاسبني عليه كما يفعل الرفقاء، وكان في الطريق يسرف ويوسع النفقة، فأقول في نفسي كل هذا يحاسبني به، فكنت أحتشمه أن أقول له أقصر وأحتمله، فلما صرت بمكة عزم علي المقام بمكة، فقلت له : الحساب، فقال: سبحان الله تذكر مثل هذا، وأقبل ينكر علي ذلك، فقلت: لا بد منه، فأبى ذلك، وقال: من يفعل ذلك؟ فسألت عنه، فإذا هو الفرجي.
وروي عن أبي جعفر محمد بن الفرجي، قال: خرجت من الشام على طريق المفازة، فوقعت في التيه، فمكثت فيه أيامًا حتى أشرفت على الموت، قال: فبينا أنا كذلك إذا أنا براهبين يسيران كأنهما خَرَجًا من مكان قريب يريدان ديرًا لهما قريبا، فقمت إليهما، فقلت: أين تريدان؟ قالا: لا ندري، قلت: أتدريان أين أنتها؟ قالا: نعم نحن في ملكه ومملكته وبين يديه، فأقبلت على نفسي أوبخها، وأقول لها: راهبان يتحققان بالتوكل دونك، فقلت لهما: أتأذنان في الصحبة؟ قالا: ذلك إليك، فاتبعتها، فلما جن الليل قاما إلى صلاتهما وقمت إلى صلاتي فصليت المغرب بتيمم، فنظرا إلي وقد تیممت، فضحكا مني، فلما فَرَغَا من صلاتهما، بحث أحدهما الأرض بيده، فإذا بماء قد ظهر وطعام موضوع، فبقيت أتعجب من ذلك؛ فقالا: ما لك؟ أدن فكل واشرب، فأكلنا وشربنا وتهيأت للصلاة، ثم نضب الماء فذهب، فلم يزالا في الصلاة وأنا أصلي على حدة حتى أصبحنا وصلينا الصبح، ثم أخذنا في المسير، فمكثنا على ذلك إلى الليل، فلما جننا الليل تقدم الآخر فصلى بصاحبه، ثم دعا بدعوات، وبحث الأرض بيده فنبع الماء وحضر الطعام فلما كانت الليلة الثالثة :قالا يا مسلم. هذه نوبتك الليلة، فاستخر الله، قال: فتعبت فيها واستحييت، ودخل بعضي في بعض.
قال: فقلت: اللهم إني أعلم أن ذنوبي لم تدع لي عندك جاها، ولكن أسألك ألا تفضحني عندهما، ولا تشمتها بنبينا محمد الله وبأمة نبيك، فإذا بعين خرارة وطعام كثير فأكلنا ذلك الطعام وشربنا، ولم نزل كذلك حتى بلغتني النوبة الثانية، ففعلت كذلك، فإذا بطعام اثنين وشراب، فكففت يدي وأريهما أني أكل ولم آكل، فسكتا عني، فلما كانت النوبة الثالثة، أصابني كذلك؛ فقالا لي: يا مسلم، ما هذا؟
قلت: لا أدري، فلما كان في جوف الليل غلبتني عيناي ، فإذا بقائل يقول: يا محمد، أردنا بك الإيثار الذي اختصصنا به محمدا لله من بين الأنبياء والرسل، فهي علامته وكرامتك، وكرامة أمته من بعده إلى يوم القيامة، قال: فبلغت نوبتي، وكان الأمر على هذه الصورة؛ فقالا لي: يا مسلم. ما هذا؟ ما لنا نرى طعامك ناقصا ؟! قلت: أولا تعلمان ما هذا؟ قالا: لا.
قلت هذا خلق خص الله به نبينا محمدًا ، وخص به أمته إن الله عز وجل يريد به الإيثار، فقد آثر تكما قال فقالا: نحن نشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، لقد صدقت قولك، هذا خبر نجده في كتبنا، خص الله به محمدا لله ، وأمته، فأسلما؛ فقلت لهما في الجمعة والجماعة، قالا: ذلك الواجب قلت نعم قالا فاسأل الله أن يخرجنا من هذا التيه إلى أقرب الأماكن من الشام، قال: فبينا نحن نسير إذ أشرفنا على بيوتات بيت المقدس.
الرئيسة