التعريف به:
هو أحد سادات التابعين الكرام قال عنه أبو نعيم: «ومنهم المشاهد المراقبي، والمساعد المصاحبي، أبو عبد الله الحارث بن أسد المحاسبي، كان لألوان الحق مشاهدًا ومراقبا ، ولآثار الرسول علم مساعدًا ومصاحبًا، تصانيفه مدونة مسطورة، وأقواله مبوبة مشهورة، وأحواله مصححة مذكورة، كان في علم الأصول راسخا وراجحا، وعن الخوض في الفضول جافيًا وجانحًا، وللمخالفين الزائغين قامعا وناطحا، وللمريدين والمنيبين قابلا وناصحًا. وقيل: إن فعل ذوي العقول الأخذ بالأصول والترك للمفضول، واختيار ما اختاره الرسولO».
مناقبه ومروياته:
روي عن أحمد بن محمد بن مقسم، قال: سمعت الجنيد بن محمد يقول: كان الحارث المحاسبي يجيء إلى منزلنا؛ فيقول: اخرج معي نصحن؛ فأقول له: تخرجني من عزلتي وأمني على نفسي إلى الطرقات والآفات ورؤية الشهوات، فيقول: أخرج معي ولا خوف عليك، فأخرج معه، فكان الطريق فارغا من كل شيء، لا نرى شيئاً نكرهه، فإذا حصلت معه في المكان الذي يجلس فيه، قال لي: سلني؛ فأقول له: ما عندي سؤال أسألك ، فيقول لي: سلني عما يقع في نفسك؛ فتنثال على السؤالات فأسأله عنها، فيجيبني عليها للوقت، ثم يمضي إلى منزله فيعملها كتباً.
وروي عن أحمد بن محمد بن مقسم، قال: سمعت الجنيد يقول: كنت كثيرًا أقول للحارث: عزلتي أنسي وتخرجني إلى وحشة رؤية الناس والطرقات؛ فيقول لي: كم تقول لي: أنسي في عزلتي لو أن نصف الخلق تقربوا مني ما وجدت بهم أنسًا، ولو أن النصف الآخر نأى عني ما استوحشت لبعدهم.
وروي عن جعفر بن محمد في كتابه وحدثني عنه أبو الحسن، قال: سمعت الجنيد يقول: كان الحارث كثير الضر، فاجتاز بي يومًا وأنا جالس على بابنا، فرأيت في وجهه زيادة الضر من الجوع؛ فقلت له: يا عم. لو دخلت إلينا نلت من شيء عندنا؛ فقال: أَو تفعل؟ قلت: نعم، وتسرني بذلك وتبرني، فدخلت بين يديه ودخل معي، وعمدت إلى بيت عمي، وكان أوسع من بيتنا، لا يخلو من أطعمة فاخرة، لا يكون مثلها في بيتنا سريعًا، فجئت بأنواع كثيرة من الطعام فوضعته بين يديه، فمد يده وأخذ لقمة فرفعها إلى فيه فرأيته يلوكها ولا يزددها، فخرج وما كلمني، فلما كان الغد لقيته، فقلت: يا عم سررتني، ثم نغصت علي؛ فقال: يا بني.
أما الفاقة فكانت شديدة، وقد اجتهدت أن أنال من الطعام الذي قدمته إليَّ، ولكن بيني وبين الله علامة ، إذا لم يكن الطعام عند الله مرضيّا ارتفع إلى أنفى زمنه فورة فلم تقبله نفسي، فقد رميت بتلك اللقمة في دهليزكم وخرجت.
وروي عن جعفر، وحدثني عنه أبو الحسن، قال: سمعت الجنيد يقول: مات أبو الحارث المحاسبي وإن الحارث لمحتاج إلى دانق فضة، وخلف أبوه مالا كثيرًا، وما أخذ منه حبة واحدة، وقال: أهل ملتين لا يتوارثان، وكان أبوه واقفيًّا، سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول: سمعت أبا علي بن خيران الفقيه يقول: رأيت أبا عبد الله الحارث بن أسد بباب الطاق في وسط الطريق متعلقا بأبيه، والناس قد اجتمعوا عليه يقول: طلق امرأتك فإنك على دين وهي على غيره.
سمعت أبا الحسن بن مقسم يقول : حدثني محمد بن إسحاق بن الإمام، حدثني أبي، قال: سألت الحارث بن أسد المحاسبي: ما تفسير خير الرزق ما يكفي، قال: هو قوت يوم بيوم ولا تهتم لرزق غد.
وروي عن جعفر بن محمد الخواص - في كتابه وحدثني عنه أبو علي الحسين بن يحيى بن زكريا الفقيه، قال: سمعت أبا العباس بن مسروق والجنيد بن محمد، يقولان: سمعنا الحارث المحاسبي يقول: فقدنا ثلاثة أشياء لا نكاد نجدها إلى الممات: حسن الصيانة، وحسن القول مع الديانة، وحسن الإخاء مع الأمانة.
الرئيسة