التعريف به:
هو: الإمام أبو حامد، محمد بن محمد بن محمد بن أحمد الطوسي الغزالي، الشافعي، الأشعري، الصوفي.
أولاً: النشأة والعبقرية العلمية:
وُلد الإمام الغزالي في قرية "طابران" بالقرب من طوس في خراسان. كان والده رجلاً صالحاً فقيراً يعمل بغزل الصوف (وقيل: الغزالي نسبة إلى قريته "غزالة").
حرص الأب على تعليم ولديه (محمد وأحمد) وتوفاه الله وهما صغيران، فرباهما صديق له أوصاه الوالد بتعليمهما على نفقة الصوف الذي تركه.
بدأ الغزالي دراسته على طريقة أهل خراسان، ثم انتقل إلى نيسابور حيث كان المركز العلمي الأكبر، ليلتحق بمدرسة الإمام أبي المعالي الجويني (إمام الحرمين)، الذي كان شيخ الشافعية والأشاعرة في وقته. برز الغزالي بذكائه الفائق ونبوغه المبكر، حتى صار مساعداً لشيخه وتلميذاً مفضلاً لديه.
بعد وفاة شيخه الجويني (478 هـ)، انتقل الغزالي إلى بغداد، حيث وصل صيته إلى الوزير السلجوقي نظام الملك، الذي كان حريصاً على دعم العلم. فعيّنه نظام الملك أستاذاً في المدرسة النظامية ببغداد (أشهر جامعة في العالم الإسلامي آنذاك) وعمره لم يتجاوز 34 عاماً.
في بغداد، لمع الغزالي كأعظم متكلم ومناظر في عصره، وانتصر لمذهب الأشاعرة والفقه الشافعي على الفرق الأخرى، خاصة المعتزلة والفلاسفة.
لكن هذه الشهرة والمكانة لم تدم طويلاً، حيث مر بأزمة روحية وعقلية حادة، وصفها بالتفصيل في كتابه "المنقذ من الضلال". بدأ الغزالي يشك في كل ما تعلمه، وشمل شكه:
المعارف الحسية والعقلية: هل هي يقينية؟
المناهج التعليمية: هل الفقهاء والمتكلمون قادرون على الوصول إلى الحقيقة؟
استمر هذا الشك حوالي ستة أشهر، تلاها تحول جذري. أدرك الغزالي أن اليقين الحقيقي لا يمكن أن يأتي إلا عن طريق الذوق والكشف الصوفي، وليس مجرد العقل والمنطق.
ثالثاً: العزلة والتصوف وكتاب "الإحياء":
في عام 488 هـ، ترك الغزالي منصبه المرموق في بغداد فجأة، بعد أن أصيب بمرض في لسانه منعه من التدريس. ارتدى ثياب الزهاد، وخرج متوجهاً إلى الشام، حيث عاش في عزلة ورياضة روحية لنحو عشر سنوات، قضى جزءاً منها في القدس ودمشق والحج.
خلال هذه العزلة، كتب الغزالي تحفته الخالدة: "إحياء علوم الدين".
إحياء علوم الدين:
يُعد هذا الكتاب أكبر محاولة إصلاحية في التاريخ الإسلامي. فيه قام الغزالي بما يلي:
دمج الفقه بالتصوف: أظهر أن العبادات والمعاملات الفقهية (النصف الأول من الكتاب) بلا روح وبلا قيمة ما لم تكن مصحوبة بعلوم الباطن والأخلاق (النصف الثاني من الكتاب).
إصلاح المناهج: وجّه نقداً قوياً للفقهاء الذين ضيعوا الروحانية، وللمتكلمين الذين أغرقوا في الجدل، وأعاد تعريف العلم النافع والضار.
التأصيل الصوفي: وضع أسس التصوف السني المعتدل بطريقة منهجية ومقبولة شرعاً.
رابعاً: العودة والوفاة الدائم:
عاد الغزالي من عزلته، وعمل فترة وجيزة في التدريس في نيسابور بناءً على طلب الوزير الفخري، لكنه لم يعد إلى حياة السلطة والجاه. قضى سنواته الأخيرة في طوس، يبني مدرسة صغيرة للصوفية بجوار بيته، ويعود إلى تدريس الحديث.
توفي الغزالي في طوس سنة 505 هـ، وترك وراءه إرثاً فكرياً لا يضاهى. لُقّب بـ "حجة الإسلام" لأنه كان المدافع الأشرس عن العقيدة السنية، والجامع بين الحقيقة والشريعة. أثر كتابه "الإحياء" في المسلمين لقرون، وكاد يطبق الإجماع على أنه أهم عمل في التربية الروحية بعد القرآن والحديث.
الرئيسة