التعريف به:
هو: الإمام أبو القاسم، عبد الرحمن بن عبد الله بن أحمد السهيلي، الخثعمي، المالكي، الضرير.
أولاً: النشأة والعبقرية العلمية:
وُلد الإمام السهيلي في قرية سهيل بالأندلس، ونُسب إليها. فقد بصره في سن مبكرة (قيل وهو ابن سبع سنوات)، ولكنه لم يدع هذا العجز يثنيه عن طلب العلم، بل كان آية في الحفظ والذكاء.
كان السهيلي متبحراً في علوم اللغة والنحو والشعر، وإماماً في الحديث والسيرة النبوية، وفقيهاً على المذهب المالكي. رحل في طلب العلم داخل الأندلس، وسمع من كبار شيوخها في غرناطة وإشبيلية.
أهميته العلمية: تُعد عبقريته في شرح السيرة النبوية، خاصة في كتابه الخالد "الروض الأُنُف"، الذي شرح فيه سيرة ابن هشام، حيث استخرج منه كنوزاً لغوية وتاريخية وتفسيرية.
ثانياً: الزهد والورع والتقشف:
على الرغم من شهرته ومكانته العظيمة التي جعلت الملوك والأمراء يطلبونه، إلا أن السهيلي كان مثالاً للزاهد الورع المتقشف:
الزهد عن المال والجاه: كان يرفض قبول العطايا والهدايا من الأمراء والسلاطين. وعندما استدعاه السلطان الموحدي أبو يوسف يعقوب المنصور إلى مراكش، تولى تدريس العلوم الشرعية، لكنه رفض الترف وعاش حياة متقشفة في رباطه.
القناعة المطلقة: عُرف عنه قضاء حياته في طلب العلم والعبادة، وعدم الاهتمام بمظاهر الدنيا وزينتها. كان يرى أن الانشغال بمتاع الدنيا يُعمي البصيرة، على غرار عماه البصري.
التركيز على السيرة النبوية: اختياره للغوص في شرح السيرة النبوية بعمق يدل على ميل روحي قوي، حيث السيرة هي المصدر الأساسي لمنهج الزهد والعبادة. كان يركز على الدروس الأخلاقية والروحية المستفادة من حياة النبي صلى الله عليه وسلم.
ثالثاً: جهوده في المغرب (مراكش):
عندما انتقل السهيلي إلى مراكش، كان له دور كبير في نشر العلوم الشرعية، خاصة الحديث واللغة والسيرة، وساهم في تقوية المنهج السني المعتدل (المالكي الأشعري) في المغرب، وهو المنهج الذي يوازن بين علوم الشريعة والسلوك.
إمامته في القرآن والسيرة: إسهامه في تفسير القرآن وتوضيح مبهماته في كتاب "التعريف والإعلام"، يدل على تخصيص وقته لخدمة كتاب الله، وهو عمل يتميز بالورع والعناية بالوحي.
رابعاً: الوفاة والأثر الدائم:
توفي الإمام السهيلي في مراكش سنة 581 هـ، ودُفن بباب الرواح، وظل مرقده مزاراً يحظى بالاحترام.
يُعد السهيلي نموذجاً للزاهد الذي لم تُعقه إعاقته البصرية عن أن يصبح إماماً في العلم، ولم تُغره المناصب والجاه عن أن يعيش حياة الزهد والتقشف. ترك لنا "الروض الأنف" كمرجع خالد يجمع بين دقة العلم وسمو الروح.
الرئيسة